ابن كثير

421

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ربه بقلبه ولم يره ببصره . وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن مسهر ، عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال في قوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال رأى جبريل عليه السلام « 1 » . وقال مجاهد في قوله : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قال : رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل في صورته مرتين ، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم . وقوله تعالى : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان وغشيها نور الرب وغشيتها ألوان ما أدري ما هي ؟ وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا مالك بن مغول ، حدثنا الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد اللّه هو ابن مسعود قال : لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض ، فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قال فراش من ذهب ، قال : وأعطي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك باللّه شيئا من أمته المقحمات « 3 » . انفرد به مسلم « 4 » . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر - قال : لما أسري برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انتهى إلى السدرة ، فقيل له إن هذه السدرة ، فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر ، وقال فكلمه عند ذلك فقال له سل . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى قال كان أغصان السدرة لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا ، فرآها النبي صلى اللّه عليه وسلم ورأى ربه بقلبه ، وقال ابن زيد قيل : يا رسول اللّه أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة ؟ قال : « رأيت يغشاها فراش من ذهب ، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح اللّه عز وجل » . وقوله تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ما ذهب يمينا ولا شمالا وَما طَغى ما جاوز ما أمر به ، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي ، وما أحسن ما قال الناظم : رأى جنة المأوى وما فوقها ولو * رأى غيره ما قد رآه لتاها وقوله تعالى : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى كقوله : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [ طه : 23 ] أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا ، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 283 . ( 2 ) المسند 1 / 422 . ( 3 ) المقحمات : الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار . ( 4 ) كتاب الإيمان حديث 279 .